الرئيسية / فلسفة / سلسة الوعي(1): ما هو الوعي؟
Photo by prottoy hassan on Unsplash

سلسة الوعي(1): ما هو الوعي؟

ما الوعي؟ قد يبدو هذا سؤالًا بسيطًا، لكنه ليس كذلك؛ فالوعي هو أكثر الأمور الغامضة التي حيرت العلماء، يبدو أنه يلزمنا إما استخدام الوعي لدراسته وهي فكرة غريبة نوعًا ما، وإما أن نحرِّرَ أنفسَنا من الوعي الذي نودُّ دراستَه، ولا عجب أن الفلاسفة والعلماء قد بذلوا جهودًا مضنيةً على مدى قرنين من الزمان من أجل الوصول إلى مفهوم الوعي، بل أنهم رفضوا الفكرةَ برمَّتها لفترات طويلة، ورفضوا أيضًا دراستَها؛ النقطة الإيجابية أن الدراسات الخاصة بالوعي أخذَتْ في الازدهار بدءًا من القرن الحادي والعشرين، ووصل علم النفس وعلم الأحياء وعلم الأعصاب إلى نقطةٍ يمكن عندها مواجَهةُ بعضِ الأسئلة المحيِّرة على غرار: ما الذي يفعله الوعيُ؟ وهل كان لنا أن نتطوَّر من دونه؟ وهل يمكن أن يكون الوعي وَهْمًا؟ وما الوعي على أي حال؟

جوهر الأمر يكمن في مسألة ثنائية « العقل-الجسد »الشهيرة التي حيَّرَتِ الفلاسفةَ على مدى أكثر من ألفَيْ عام، فهما نوعَيْن من الأشياء مختلفَيْن تمام الاختلاف، دون وجود وسيلة واضحة لربطهما معًا.

من ناحيةٍ، هناك تجاربُنا الذاتية؛ فيمكنني الآن مثلًا أن أرى المنازلَ والأشجار الموجودة على تلٍّ بعيدٍ، وأن أسمع بوقَ السياراتِ على الطريق الرئيسي؛ كلُّ تلك الأشياء تجاربُ خاصة، ولديها طابع لا يمكنني نقله إلى أي شخص آخَر،  أتساءل: هل تجربتُكَ مع اللون الأخضر هي نفس تجربتي معه؟ أو هل تشم للقهوة نفس الرائحة التي أشمها؟ لكن لا يمكنني الجواب عن ذلك أبدًا.

تعريف  الوعي:

ليس هناك تعريف متَّفَق عليه للوعي بشكل عام، لكن التعريفات التالية تعطينا فكرةً عمَّا تعنيه الكلمة:

1-التجارب الواعية الذاتية: وهي السمات الذاتية التي يتعذَّر وصْفُها للتجربة، مثل حُمْرة اللون الأحمر، أو الرائحة التي لا يمكن وصْفُها لزيت الزيتون، وقد زعم بعض الفلاسفة أن تلك التجارب لا وجودَ لها.

2-المشكلة الصعبة: كيف تنشأ تجاربُ ذاتيةٌ من دماغ ماديٍّ موضوعيٍّ؟

3-كيف يكون الحال لو كنت شيء آخر؟:  كيف يكون الحال لو كنتَ خفَّاشًا؟ احتلَّ ذلك السؤالُ الغريب أهميةً في تاريخ دراسات الوعي، وقد طُرِح لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين، ثم نال الشهرةَ على يد الفيلسوف الأمريكي «توماس ناجيل»، أي إذا كان هناك حال معيَّن تكون عليه لو أنك حيوان (أو جهاز كمبيوتر أو طفل رضيع)، فذلك الشيء كائن واعٍ، وإلَّا فهو ليس كذلك.

لا فائدةَ من تخيُّلِ نفسِكَ خفَّاشًا؛ لأن الخفَّاش الناطق المثقَّف لن يكون خفَّاشًا طبيعيٍّا على الإطلاق. وفي المقابل، إذا أصبحتَ خفَّاشًا طبيعيٍّا، فليس في مقدورك التفكير أو الكلام، فلن تستطيع الإجابةَ على سؤالِك، أشار ناجيل أننا لن نعرف ذلك أبدًا، وخلَص إلى أن المشكلة لا حلَّ لها ومعنى ذلك أنه لا أملَ لدينا في  فهم الوعي تمامًا مثلما أنه لا أملَ في أن يقرأ أحدُ الكلابِ الجريدةَ التي يحملها فَرِحًا في طريق العودة من المتجر، ويتَّفِق معه في ذلك عالمُ النفس« ستيفن بينكر» قائلًا: إننا قد نكون قادرين على فهم معظم التفاصيل الخاصة بكيفية عمل العقل، لكنَّ الوعْيَ نفسه قد يظل بعيدا عن فهمنا إلى الأبد.

كثير من العلماء لا يشاركون ناجيل نظرته التشاؤمية لكنهم واجهوا معضلة هل الوعي عنصرٌ خارجي نمتلكه — نحن البشر — إضافةً إلى قدراتنا الخاصة بالإدراك الحسي والتفكير والشعور، أم أنه جزء جوهري لا يتجزَّأ في أي كائنٍ لديه قدراتُ الإدراك الحسي والتفكير والشعور؟

من ناحية، إن كان الوعيُ عنصرًا خارجيٍّا إضافيٍّا، فسنودُّ بطبيعة الحال أن نسأل عن سبب امتلاكنا إياه، وأن نسأل عن أهميته والوظيفة التي يؤدِّيها وكيف نمتلكه، من الناحية الأخرى، إن كان الوعي جزءًا لا يتجزَّأ من العمليات الدماغية المعقَّدة، فمن العبث أن نسأل معظم تلك الأسئلة لأن أيَّ كائنٍ تطوَّرَ بحيث أصبَحَ لديه ذكاءٌ وإدراكٌ حسي وذاكرةٌ ومشاعرُ، يكون واعيًا أيضًا بالضرورة، إن التبعات المترتِّبة على هذين الرأيَيْن صعبةَ الفهم، لذا نحن  بحاجةٍ إلى إحدى التجارب الفكرية: تجربة «الزومبي».

الزومبي:

تخيَّلْ شخصًا يُشبِهك تمامًا؛ يتصرَّف مثلك، ويفكِّر مثلك، ويتحدَّث مثلك، لكنه غير واعٍ على الإطلاق. ذلك الشخص الآخَر الذي يشبهك ليس لديه تجارب واعية شخصية، وكل أفعاله تحدث دون أي وعيٍ؛ ذلك الكائن اللاواعي — وليس الجثة نصف الميتة المتداولة في الفلكلور الهاييتي — هو ما يُطلِق عليه الفلاسفةُ اسمَ زومبي.

إذا كنتَ تعتقد أن الوعي سمة خارجية، فربما تصدِّق أننا تطوَّرنا جميعًا إلى كائنات زومبي لا أفراد واعين، بل ربما تصدق أن جارك قد يكون واحدًا من الزومبي، لكن إذا كنتَ تعتقد أنه مهارة أساسية لا تنفصل عن المهارات البشرية الأخرى، إذن فلن يكون من المعقول وجود الزومبي، وتصبح الفكرة برمتها عبثيةً.

فائدة الوعي:

عبارة «قوة الوعي» من العبارات الشائعة في الخطاب المتداول، وتتلخص الفكرة في أن الوعي شكل من أشكال القوى التي تؤثر مباشرة على العالم، إما بالتأثير في أجسامنا كما يحدث عندما أقرِّر «أنا» بوعيٍ أن أحرِّكَ ذراعي فيتحرك، إما بالتأثير في أمورٍ أخرى مثل العلاج الروحاني أو التخاطر، وإحدى الوسائل لاكتشاف إن كان الوعي يمكن أن يكون قوةً مؤثرةً أم لا، هي أن نسأل: ماذا سيحدث إذا استبعدناه؟

يقول التيار الاول: قد تفكِّر أن الوعي ضروري من أجل اتخاذ القرارات، لكننا نعرف الكثيرَ عن كيفية اتخاذ الدماغ للقرارات، ويبدو أنه لا يحتاج قوةً خارجيةً لعمل ذلك. أيضًا يمكننا تصنيعُ أجهزةِ كمبيوتر في مقدورها اتخاذُ القرارات دون وجود وحدة وعي منفصلة داخلها، وينطبق الأمر نفسه على البصر والسمع والحركات المسئولة عن التحكُّم وغير ذلك من القدرات البشرية الأخرى. ربما تظن أن الوعي مطلوبٌ من أجل التذوُّق الجمالي والإبداع والوقوع في الحب؛ فإذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تُثبِتَ أن تلك الأشياء تحدث بفضل الوعي، لا بفضل الآليات الداخلية لدماغ بارع، هذا ما يطلق عليه نظرية « الظاهرتية الثانوية» التي تقول أن الوعي منتج ثانوي عديم الفائدة.

أما التيار الثاني فيقول إن فهم الوعي و فائدته تتلخص بعد فهم العقل، لتوضيح ذلك نتطرق إلى تجربة مسرح العقل.

مسرح العقل:

ربما تكون أبسط الطرق للتفكير في الوعي كما يلي: تخيَّلِ العقلَ مسرحًا خاصا، ها أنا ذا داخل المسرح في مكانٍ ما داخل رأسي أنظرُ من خلال عينيَّ، لكنَّ هذا المسرح متعدِّدُ الأحاسيس؛ وعليه فإني أشعر باللمسات والروائح والأصوات والمشاعر أيضًا، ويمكنني استخدام خيالي كذلك؛ فأستحضرُ مشاهدَ وأصواتًا أراها وكأنها على شاشة عقلية بواسطة عيني الداخلية، أو تُسمَع بواسطة أذني الداخلية، كل تلك الأشياء هي «محتويات العقل». في القرن التاسع عشر صاغ «ويليام جيمس» مؤسس علم النفس الحديث عبارة «تيار العقل» تبدو أنها ملائمة إلى حدٍّ كبيرٍ؛ فحياتنا الواعية تبدو  وكأنها تيارٌ دائمُ التدفُّقِ من الصور والأصوات واللمسات والأفكار والعواطف ومشاعر القلق ومشاعر الفرحة؛ كلها تحدث الواحدة تلو الأخرى، لا يقتصر الأمرُ على تشبيه العقل بالمسرح، لكن الفكرة أنه في مكانٍ ما داخلَ العقل أو الدماغ لا بد من وجودِ مكان وزمانٍ يلتقي عندهما كلُّ شيء، ومن ثم يحدث الوعي.

يرى دينيت أن هذه الفكرة خاطئة حتمًا؛  فلا  يوجد داخل الدماغ مركزٌ يتطابَقُ مع هذه الفكرة؛ لأن الدماغ ما هو إلا نظامُ معالجةٍ تفرعيٌّ بلا نقاطٍ مركزيةٍ، ترِدُ المعلوماتُ إلى الحواس، ثم تُوزَّع في كل مكان لأغراض مختلفة، من هنا اقترح مصطلح «الماديين الديكارتيين» لوصف أولئك الذين يزعمون أنهم يرفضون الثنائية ( الجسد و الوعي) لكنهم في الوقت نفسه يؤمنون بمسرح العقل.

 

سلسلة الوعي(2): هل زمن الوعي متأخر عن الزمن الواقعي؟

 

تدقيق لغوي: بولحية يحي

المصدر:كتاب مقدمة قصيرة جدا عن الوعي للبروفيسور سوزان بلاكمور-Susan Jane Blackmore

 

Comments

comments

تحقق ايضا

سلسلة الوعي(2): هل زمن الوعي متأخر عن الزمن الواقعي؟

لِقراءة المقَال السَابِق في السِلسِلة :  سلسة الوعي(1): ما هو الوعي؟  هل يمكن أن يتأخَّر الوعي …