الرئيسية / دماغ وأعصاب / الذاكرة البشرية واضطراباتها، ذلك السر الكبير (حالة H.M نموذجا)
http://www.lastwordonnothing.com/wp-content/uploads/2012/12/brain-1024x540.jpg

الذاكرة البشرية واضطراباتها، ذلك السر الكبير (حالة H.M نموذجا)

تـُعد الذاكرة واحدة من أكبر وأهمّ الوظائف الدماغيّة، بدونها لا يُمكن للحياة أن تستمر فهي المسؤولة عن تخزين المَعلومات والذكريات والخبرات والمشاعر، لاستخدامها في وقت لاحق، للذّاكرة أَنواع عديدة كالذّاكرة البصريّة والذاكرة السمعيّة والذاكرة الحسيّة، والتكامل والتعاون بين الأنواع السابقة هو المسؤول عن تشكيل الذاكرة الكليّة، التي يستخدمها الإنسان طوال فترة حياته، على المستوى الجزيئي تَنشأ الذاكرة في مناطق عديدة في الدماغ (في أقسام القشرة المخيّة المختلفة)، وكذلك في المناطق العَميقة للدماغ، المَسؤول عن عَمليّات الذاكرة هو المشابك العصبية، التي تَربط بين العديد من الخلايا العصبية المُتتالية ولهذه الخلَايا العصبيّة نوعَان: (خلايَا عصبيّة تنبيهية وأخرى تثبيطية) يكون كلاهما مسؤولًا عن تنظيم عمليات حفظ المعلومات في الذاكرة (حيث تكون الخلايا العصبية التثبيطية مسؤولة عن تثبيط الخليّة العصبية التالية ممّا يساهم في فصل الذكريات وعدم اختلاطها).(1)

واحدة من أهمّ خصائص الخلَايا العصبيّة هي عدم قدرتها على الانقسام وتعويض نفسها وهذَا أمر مهم جداً للحول دُون فقدان عمليّات الذاكرة المختزنة في مشابك هذه الخلايَا، بالتالي عند تعرض الشخص لإصابة في الرأس أو عند الإصابة ببعض أمراض الجهاز العصبي التي تعيق عمل المشابك العصبيّة (كألزهايمر مثلًا) فإنّ الشخص يتعرض لفقدان في الذاكرة وقد يكون هذا الفقدان دائماً (في حالة التلف التام للخلايا) أو مؤقتاً في حال زوال السبب المعيق لتواصل الخلايا العصبية مع بعضها.(2)

الحصين والذاكرة المكانية:
يعد الحصين الذي يتواجد في القسم الوحشي لكل من البطينيين الجانبيين في المخ مسؤولًا عن الذاكرة وحفظ الذكريات أي أنّه يقوم بتحويل المعلومات البصرية والسمعية والحسية التي نتلقاها إلى الذاكرة طويلة الأمد بعد تكرار تلقي المعلومة، بالتالي فإن إصابة الحصين تؤدي إلى انعدام قُدرة الشخص على تثبيت ذكريات جَديدة في الذاكرة طويلة الأمد مع احتفاظه بقدرته على استعادة ذكرياته قبل الإصابة.(3)

اضطرابات الذاكرة حالة (H.M):
هنري جوستاف مولياسن “Henry Gustav Molaison” المعروف لعشرات السنين بالمريض أو حالة”H.M”، ولد سنة 1926 ، كان يعاني من الصرع الذي لم يستجيب للدواء، أسباب الصرع عند(H.M) قد لا تكون معروفة أو غير واضحة تمامًا فقد تَعرض لحادث سقوط من أَعلى الدراجة الهوائية في سن 09 سنوات، مع العلم أن بَعض أقربائه مُصابون بالصرع، ولما كان الصرع غير مستجيب للدواء عسير “Intractable” فقد أُجريت له جراحة عام (1953)، حيث تم إزالة تقريبا ثلثي تكوين قرن آمون “hippocampus” والتلفيف المجاور لقرن آمون “Parahippocampol gyrus” واللوزة “Amygdala” من كلا الجانبين.(4)
وبعد الجراحة عانى من فقدان ذاكرة بُعدي حاد إلاّ أنّ ذاكرته قصيرة المدى لم تتأثر، كذلك ذَكاؤه وقُدرته على تعلم المهارات الحركية -الذاكرة الإجرائية-، إنّ مَا يبدوا على (H.M) أنّ المعلومات لا تنتقل إلى الذاكرة طويلة المدى، كذلك يعاني (H.M) من فقدان ذاكرة قبلي و إن كان متوسطًا ففي بعض الأحيان لم يستطع تذكر المَعلومات قبل الجراحة بـ(3) أو (4) أيام وبعض المعلومات الأخرى لم يستطع تذكرها والتي مضى عليها (11) سنة قبل الجراحة.(4)
اُعتبر ضعف الذاكرة لدى(H.M) عمومًا انعكاسًا لفشل في تحويل الذاكرة المؤقتة العابرة إلى ذاكرة مستقرة على المدى الطويل، حيث أنّ الفكرة الرئيسية حول تنظيم الذاكرة، وظيفة الفص الصدغي الإنسي، وجاء مع النظر في قدرته على تذكر المعلومات التي كانت قد اُكتسبت قَبل جراحته، وقد طلب المستكشف الأول لهذه المسألة إجراء اختبارات رسميّة، من خلال التعرف على وجوه الأشخاص الذين أصبحوا مشهورين في عُقود مختلفة،1920-1970 ، وكما هو متوقع، كان يُعاني من ضعف شديد في التعرف على الوجوه من فَترة ما بعد الاعتلال بين (1950-1960)، هذه النتيجة الهامة تعني أنّ الفص الصدغي الإنسي ليس مَوقع التخزين النهائي للمَعرفة المُكتسبة سابقًا.

التشخيص المبكر لحالة (H.M) تتفق مع هذا الرأي، وهكذا، (فقدان الذاكرة الجزئي) لمدة 3 سنوات مسبّبة لعمليّة جراحته، مع ذكريات مبكرة “تبدو طبيعية”، بعد حوالي 10 سنوات لُوحظ أنّه لم تَظهر أيّ تغيرات في قدرة (H.M) على استدعاء أَحداث بعيدة تعبّر عن عمليته، مثل الحوادث التي وَقعت في سَنوات دراسَته المبكرة، والتعلق بالمدرسة الثانوية، أو الوَظائف التي كان يشغلها في أواخر سنّ المُراهقة وأوائل العشرينات.(5)

ولا زالت تُجرى دراسات على (H.M) حتى الآن وقد تبرع بدماغه من أجل تحليله بعد الوفاة ويُعتبر (H.M) من أَكثر المرضى الذين خَضعوا للدراسة، ولا تَكاد تخلوا كُتب علم النفس العصبي أو كتب العلوم العصبية بشكل عام من ذكر حَالته.(4)

المصدر: هنا هنا هنا

اعداد: جويرية بريطل
اعداد: حسين الحسين
تدقيق: لمونس جمانة

جويرية بريطل

ماستر أكاديمي في علم النفس ، تخصص: علم النفس العيادي _جامعة قاصدي مرباح _ورقلة ، أخصائية نفسانية عيادية بقسم تأهيل أطفال التوحد و صعوبات التعلم بعيادة خاصة ، "مشوار ألف ميل يبدأ بخطوة ".
جويرية بريطل

Comments

comments

تحقق ايضا

هَل تَعلَم؟ المَناطِق الدَّافِئة

يميلُ الأشخاصُ الذين تَرعرَعوا في أقاليمَ دافئةٍ إلى أن يَكونوا أكثرَ وِدًّا من أولئِكَ الذين …