الرئيسية / سايكولوجيا / العلاج باللعب السلوكي _المعرفي Cognitive_Behavioural_Play

العلاج باللعب السلوكي _المعرفي Cognitive_Behavioural_Play

يمثل اللعب أداة تعبير هامة لدى الأطفال، خصوصًا أنهم لا يجيدون امتلاك اللغة للتعبير عما يشعرون به ويفكرون فيه،  وكذلك الأمر بالنسبة إلى الذين يعانون من أمراض نفسية أو أولئك الذين يعانون حالة من عدم التوازن الانفعالي بحيث يعجز الكلام عن نقل مشاعرهم، من هنا نشأت محاولات عديدة لتوظيف اللعب لغرض التواصل مع الأطفال، ونشأ عن ذلك مدارس متعددة في العلاج باللعب، من بينها المدرسة المعرفية السلوكية.
فما هو العلاج باللعب؟ وعلى ماذا تعتمد المدرسة المعرفية السلوكية في علاجها باللعب؟

1. لمحة تاريخية عن العلاج باللعب:
كانت أول عيادة للعلاج باللعب تستخدم طريقة الملاحظة العلاجية (العيادية) في الفترة من (1940-1950) وقد قام عدد من العلماء بدراسة الفروق بين الجنسين في اللعب وبتحليل أثر الإحباط على سلوك الطفل وكشف السلوك العدواني لدى الطفل .
وتعتبر فرجينيا أكسلين (1947) من أوائل المهتمين بالعلاج باللعب وأكدت على أهمية اللعب في التخفيف من الشعور السلبي ونمو الشعور الايجابي نحو الذات ونحو الآخرين من خلال جلسات العلاج باللعب وأكدت أيضا أن الطفل يتحول إلى فرد أكثر اكتمالا وتوافقا وتحررا وتلقائية من خلال عملية العلاج.

2. ماهية العلاج باللعب:
أ. اللعب:
* اللعب هو أحد أهم الأساليب في تعليم الأطفال وتشخيص مشكلاتهم وعلاجها ويُستخدم اللعب كطريقة علاجية في حد ذاته أو ضمن طرق علاجية أخرى .
* هو نشاط موجه أو غير موجه يقوم به الأطفال من أجل تحقيق المتعة و التسلية و يستغله الكبار عادة ليسهم في إنماء شخصيات الأطفال بأبعادها المختلفة: العقلية، الجسدية، الانفعالية، الاجتماعية.
ب . العلاج باللعب:
* حسب النظرية المعرفية: “اللعب هو النشاط الحركي الذي يعمل على نمو الفرد العقلي، هو النشاط الذي يقوم على الحركة و التمثيل الرمزي و التمثيل الخيالي و التصور الذهني والرسم ويعتبر عملية أساسية لإنماء العقل  والذكاء عند الأطفال”.
*عرفته الجمعية الأمريكية للعلاج باللعب بأنه “الاستخدام المنظم للنماذج النظرية لإقامة علاقة بين شخصية في حين يوظف المعالج القدرة العلاجية للعب لمساعدة الطفل على التعامل مع التحديات الحالية التي تواجهه والوقاية من مشكلات مستقبلية لتحقيق نمو طبيعي في المظاهر النمائية كافة” .

3. الأهمية النفسية للعلاج باللعب:
– يفيد اللعب في النمو النفسي والعقلي والاجتماعي والانفعالي للطفل فيقوي عضلاته و يطلق الطاقات الكامنة فيه و يتعلم الطفل من خلاله المعايير الاجتماعية و ضبط الانفعالات و النظام و التعاون و القيادة.
– يشبع حاجات الطفل مثل حب التملك وذلك حينما يمتلك الطفل بعض أدوات اللعب ويسيطر عليها في حرية دون رقيب أو منافس وفي تفكير مستقل منفسا عن ميوله و مشاعره.
– يكمل اللعب بعض أوجه النشاط الضرورية في حياة الطفل اليومية.
– يفيد اللعب في دراسة سلوك الطفل من خلال لعبه عن طريق الملاحظة غير المباشرة وهو وسيلة هامة في تشخيص مشكلات الأطفال و علاجها .
– يعتبر اللعب “مهنة الطفل” وأثناء اللعب يشعر الطفل بالمتعة و يعيش طفولته و يستكشف ويتعلم ويبتكر.

4. استخدام اللعب في التشخيص:
يمكن دراسة سلوك الطفل عن طريق ملاحظته أثناء اللعب بهدف تشخيص مشكلاته، إن الطفل المضطرب نفسيا يسلك في لعبه سلوكا يختلف عن الطفل العادي المتوافق نفسيا، فالطفل عادة يعبر رمزيا أثناء لعبه عن خبراته في عالم الواقع، و يعبر الطفل المضطرب نفسيا عن مشكلاته و صراعاته و حاجاته غير المشبعة و انفعالاته المشحونة أثناء لعبه إذ يسقط كل ذلك على الدمى أو اللعب وهذا يسهل التشخيص.
أثناء اللعب الجماعي والتفاعل مع الرفاق ومع الدمى، يمكن معرفة الكثير من المشكلات وأسبابها خاصة في العلاقات الاجتماعية بصفة عامة و الأسرية بصفة خاصة.
العلاج باللعب السلوكي المعرفي:
*العلاج المعرفي السلوكي:
العلاج المعرفي السلوكي هو مدرسة للعلاج هدفها تصحيح الأخطاء المعرفية للعملاء بالنسبة لعالمهم ولأنفسهم بالإضافة إلى محاولة تعديل السلوك (كما في العلاج السلوكي التقليدي) ويسعى المعالج المعرفي السلوكي إلى تغيير التعلم للفرد في التفكير.
* إن من الأهداف الأولى للعلاج السلوكي المعرفي هو تحديد الأفكار غير التوافقية، لمساعدة الآخرين على تغيير أنماط تفكيرهم السلبي و معتقداتهم وسلوكهم بحيث تتمكن من إدارة العوارض السلبية والتمتع بحياة أكثر إنتاجية وأقل توترًا.
* وهو يتناسب خصوصًا مع أطفال الروضة و المستوى الأول من التعليم الابتدائي، يقوم المعالج بشكل غير مباشر، بواسطة اللعب، بإحداث تغير معرفي وتأسيس سلوك أكثر تكيفاً لديه، ويلجأ المعالج إلى تعزيز انخراط الطفل في العلاج من خلال تدريبه على وسائل للضبط والسيطرة ولتحمل مسؤولية تغير سلوكه، ويشجعه على أن يكون مشاركاً فعالا في تغيير السلوك الذاتي.

5. إجراءات العلاج باللعب:
و يتم العلاج باللعب كالآتي:
‌أ. تخصيص حجرة خاصة باللعب  في العيادة  تضم لعبا متنوعة الشكل والموضوع، على أن تمثل الأشياء الهامة في حياة الأطفال ومن أمثلة اللعب التي تتضمنها الحجرة : العرائس، اللعب التي تمثل الحيوانات، قطع خشبية و معدنية،  قطع الأثاث المنزلي، بنادق و مسدسات وقوارير وأواني، أحواض رمل وماء، صلصال، و غيرها من اللعب الهامة.
‌ب. يختار المعالج من بين هذه اللعب ما يناسب عمر الطفل ومشكلاته، وذلك بعد أن يكون قد توصل للأسباب المؤدية لهذه المشكلات .

‌ج. يقوم المعالج بملاحظة الطفل أثناء استخدامه للعب وقد يشارك المعالج الطفل في اللعب أحيانا لكي يشجعه وقد لا يشاركه كي يترك للطفل الحرية الكاملة في اللعب على سجيته أو يمكن أن يتدخل مع الطفل للتدريب.

‌د. يجب أن يكون المعالج حساسا لسلوك الطفل و أن يستجيب له بطريقة مناسبة و يفسر السلوك بطريقة تتناسب مع عمر الطفل وحالاته على أن يهتم المعالج بتنمية عادات سلوكية جديدة ومفيدة.

‌ه. كما يمكن للمعالج أثناء ملاحظته أن يكشف عن رغبات الأطفال وحاجاتهم ومخاوفهم ومشكلاتهم ويركز على سلوك الطفل المتكرر الزائد والاهتمام المفرط بأشياء معينة.

‌و. ملاحظة العدوان والسرقة واضطرابات الكلام تعطي أهمية للتعبير الرمزي في اللعب عندما يعبر الطفل عن موقفه من والديه وإخوته ورفقائه لما لهذه الأمور من أهمية بالغة في تشخيص الاضطرابات.

6. مراحل العلاج باللعب السلوكي المعرفي حالة طفل يعاني من الخواف :
حالة الطفلة الخائفة:
وصف الحالة:
الطفلة التي نحن بصدد الحديث عن حالتها تبلغ الخامسة من العمر وقد حولت إلى إحدى عيادات العلاج السلوكي المعرفي بسبب الخوف الشديد من الحيوانات وقد بدأت مخاوفها في أول الأمر عندما كانت في الثالثة من العمر محصورة بالكلاب. ثم بدأ هذا الخوف يتطور ويشتد ويتعمم حتى تحول إلى خوف مرضي شديد من كل الحيوانات والطيور والحشرات. ووصل بها الخوف لدرجة أعجزتها تماما ومنعتها من مغادرة منزلها وأوقفت كل نشاطاتها الاجتماعية. وإذا حدث وشاهدت حيوانا أو حشرة أثناء اللعب مع زميلاتها فقد كانت تجزع وتفر عائدة إلى المنزل. وقد تطور خوفها إلى اضطراب هستيري قوامه الجزع والصراخ والصياح الشديد، بل أوشكت في إحدى المرات أن تتعرض لحادثة مرورية كادت تودي بحياتها عندما صادفت حشرة تزحف فأخذت لذعرها تجري في منتصف الشارع مخالفة قواعد السلامة.

الإعداد للخطة العلاجية:
تم الإعداد للخطة العلاجية التي سنعرض تفاصيلها توا من خلال الاتفاق بين المعالج و الأم، على أن تتولى الأم تنفيذ الخطة في المواقف الحية التي لا يكون فيها المعالج موجودا مع الطفلة، و قد عرض المعالج الخطة المتدرجة على الأبوين و طلب منهما أن يتقدما نحو مراحل العلاج مرحلة تدريجيا ودون تعجل تجنبا لحدوث أي نكسات علاجية.

خطة العلاج:
تكونت خطة العلاج من مرحلتين رئيسيتين هما: التعرض التدريجي الرمزي و التعرض التدريجي في مواقف حية بالشكل الآتي:
تولى المعالج في المرحلة الأولى تعريض الطفلة للحيوانات من خلال القصص و الرسم و تلوين صور الحيوانات و الطيور و الحشرات المختلفة و قصها، فضلا عن اللعب بالنماذج الحيوانية المحشوة أو المصنوعة من المطاط.
و قد كان الهدف من هذه التدريبات خلق ألفة بين الطفلة و موضوعات الخوف فضلا عن تكوين رابطة سارة و مبهجة و مثيرة للخيال و التقبل مع موضوعات الخوف (أي الحيوانات و الطيور)، و لأن هذه التدريبات أجريت في منزل الطفلة. فقد كانت لها فائدتها التربوية للأم التي كانت تلاحظ المعالج خلال هذه التدريبات و تتعلم منه بعض الفنون المطلوبة للتخلص من القلق من خلال اللعب والاسترخاء، وتغيير الانتباه، وفي النهاية كان بإمكان الأم أن تتولى استكمال هذه التدريبات مع الطفلة.
وقد أستغرق تنفيذ المرحلتين عددا من الجلسات بالشكل الآتي:

الجلسات الأولى و الثانية و الثالثة:
خلال هذه الجلسات الثلاث الأولى أسهم المعالج و الأم مع الطفلة في تنفيذ النشاطات الآتية:
1- عرض رسوم حيوانات أو طيور ولتوضيح بعض موضوعات مرتبطة بقصص الحيوانات التي كان يحكيها المعالج للطفلة.
2- تلوين نماذج من الصور المتمثلة لمشاهد طيورا أو حيوانات أو حشرات انتقاها المعالج بعناية و شجع الطفلة على قصها بعد تلوينها و طلب منها وضعها في كتاب نشاطات خاصة بالطفلة أو تعليقها في حجرتها .
3- استمتعت الطفلة بهذه النشاطات بعد فترة خوف و توجس نتيجة لقيام المعالج بتشجيعها و إعطائها معلومات إيجابية عن الموضوعات المرتبطة بمخاوف الطفلة ( مثلا: الدجاج يمدنا بالبيض، الكلاب تحمي أصحابها بوفاء و ترشد المكفوفين، النحل ينتج لنا عسل النحل … الخ )
4- تعاونت الأم في اختيار قصص مرتبطة بالحيوانات والطيور وغيرها وقراءتها للطفلة.
وفي نهاية الجلسة الثالثة كان من الواضح أن الطفلة بدأت تدريجيا بالتغلب على توجسها السابق فأصبحت تتعامل بقليل من الخوف و بدأ قلقها يقل عند التعرض الرمزي لصور الحيوانات و الطيور و الحشرات و للقصص المرتبطة بها، و أدى هذا التقدم إلى الانتقال للمرحلة التالية من العلاج.

الجلسة الرابعة:
أخذ المعالج الطفلة للتنزه بجوار إحدى البحيرات القريبة، وطلب منها أن تلتقط- باستخدام آلة التصوير- صورا للبجع و الطيور البحرية من مسافة بعيدة، ثم قرب الطفلة تدريجيا لإلتقاط صور قريبة، و صحبها في العودة إلى محل للطيور المنزلية، و شجعها على إطعام الطيور المنزلية، لكنها بدأت تشعر بالقلق و الخوف عندما طلب منها إلتقاط صورة لكلب يسير في الشارع و لهذا فقد أجل المعالج موضوع التعرض للكلاب لجلسة قادمة.

الجلسة الخامسة:
بدأت هذه الجلسة باللعب بنموذج كلب من المطاط في المنزل و تبع ذلك نزهة إلى الحديقة المجاورة للتعرض التدريجي للحيوانات، وقد استمرت الطفلة في التقاط صور الحيوانات، و استطاعت هذه المرة أن تلتقط صورا للكلاب من مسافة قريبة بعيدة، ولكنها جفلت عندما رأت عنكبوتا على أرضية الحديقة. إلا أنها لم تتحدث عن هذه الحادثة كثيرا، كذلك تجاهل المعالج هذه الحادثة و لم يجعل منها موضاعا مهما للحديث.

الجلسة السادسة:
قامت الطفلة في النصف الأول من الجلسة في المنزل برسم عناكب،و تلوينها و تعليقها في حجرتها، و خلال ذلك كان المعالج يحادثها عن العناكب و كيف تعيش، و المبالغات التي تروى عنها خطأ بأنها قد تضر بنا بينما هي في الحقيقة لا تضر الإنسان.
و في النصف الثاني من الجلسة السادسة صحب المعالج الطفلة إلى أحد المستشفيات البيطرية حيث أمكن أن تلاحظ بعض الحيوانات كالكلاب، وقد أبدت الطفلة تشوقها و اهتمامها بالكلاب أكثر من المرات الماضية، فكانت تسأل عن الكلاب الضالة و أوجه الرعاية التي تقدم لها و لم يبد عليها الجزع عندما كانت تسمع نباح الكلاب في المستشفى، لكنها رفضت أن تلمسها أو تداعبها حتى بعد أن شجعها المعالج على محاكاته في ذلك.

و منه نستنتج أن العلاج باللعب المعرفي السلوكي من أهم العلاجات التي يحتاجها الطفل بهدف تمكينه من التكيف مع مجتمعه و أيضا لا نجد صعوبة في تطبيق العلاج باللعب مع الطفل إذ من جهة يعطي الأخصائي معلومات حول حالة الطفل التي تساعده في التقييم النفسي له ومن جهة أخرى لا يكون الطفل تحت ضغط لأنه يجد متعة في اللعب .

المصادر :
1. إجلال محمد سري ، 2000 ، علم النفس العلاجي ، ط 2 ، عالم الكتاب ، مصر .
2. جمال دفي ، 2014 ، سيكولوجية اللعب و دورها في خفض السلوك العدواني لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علوم التربية ، جامعة مولود معمري، تيزي وزو- الجزائر .
3. هاني العسلي ، ( د س ) ، العلاج باللعب Play Therapy، القاهرة .
4. نفين صابر عبد الحكيم السيد،2009، ممارسة العلاج المعرفي السلوكي في خدمة الفرد لتعديل السلوك اللاتوافقي للأطفال المعرضين للانحراف ، مجلة كلية الآداب بجامعة حلوان -ع62 .
5. عائشة نحوي ، 2009، العلاج النفسي عن طريق البرمجة اللغوية العصبية ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه العلوم في علم النفس العيادي ، جامعة الإخوة منتوري قسنطينة – الجزائر.
6. فاديا حطيط ، 2016 ، اللعب كعلاج نفسي ،الهيئة العلمية للعلوم التربوية ، http://www.laes.org/
7. عبد الستار إبراهيم و آخرون،1993 ، العلاج السلوكي للطفل، عالم المعرفة، الكويت.

ـــــــــــــ
تدقيق لغوي: زينب هلالي

جويرية بريطل

ماستر أكاديمي في علم النفس ، تخصص: علم النفس العيادي _جامعة قاصدي مرباح _ورقلة ، أخصائية نفسانية عيادية بقسم تأهيل أطفال التوحد و صعوبات التعلم بعيادة خاصة ، "مشوار ألف ميل يبدأ بخطوة ".
جويرية بريطل

Comments

comments

تحقق ايضا

هَل تَعلَم؟ المَناطِق الدَّافِئة

يميلُ الأشخاصُ الذين تَرعرَعوا في أقاليمَ دافئةٍ إلى أن يَكونوا أكثرَ وِدًّا من أولئِكَ الذين …