الرئيسية / التاريخ / سلسة التاريخ الاقتصادي العالمي: لماذا دول افريقيا الأفقر عالميا؟
https://pixabay.com/en/world-globe-africa-stationery-1626692/

سلسة التاريخ الاقتصادي العالمي: لماذا دول افريقيا الأفقر عالميا؟

كانت الأمركتين وإفريقيا وجهة للإمبراطوريات الاستعماريَّة التي استغلت شُعوبها وثَرواتها أبشع استغلال، وبعد انتهاء الاستعمار استطاعت معظم الدول تحقيق تقدُّم اقتصاديٍّ واللَّحاق بركب الحضارة، وتعدُّ أمريكا الشمالية والهند مثالاً على ذلك، لكن في المقابل يبقى السؤال المطروح لماذا لم تحقق إفريقيا تقدما وتصنف القارة الأفقر عالميا؟

فقر افريقيا خلال الفجوة الكبرى:

كانت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء فقيرة في عام 1500م؛ نظرًا لأنها لم تكن حضارة زراعية متقدمة، في حين توفرت لدى الحضارات الزراعية العديد من المميزات التي باعدت بينها وبين أفريقيا؛ مثل وجود زراعة منتجة، وتصنيع متنوع، وموارد مؤسساتية وثقافية لازِمة للنمو الاقتصادي الحديث، وظلَّ نمو التعداد السكاني في أفريقيا محدودًا؛ لأنَّ الأمراض الاستوائيَّة جعلت معدلات الوفيات مرتفعةً، فظهرت أكثر الصور القاتلة من مرض الملاريا والبعوض المصاحِب للمرض في الوقت نفسه تقريبًا الذي بدأ فيه مزارِعِو البطاطا في إزالة الأشجار من الغابات المطيرة تمهيدًا لزراعتها، وربما أسهمت عمليات إزالة الغابات هذه في تطور المرض، كما لعبت الأمراض الاستوائية الأخرى مثل مرض النوم دورًا في ارتفاع معدلات الوفيات.

حدَّت الكثافة المنخفضة للسكان وارتفاع تكاليف النقل من إمكانيات التخصص في إنتاج سلعٍ مصنَّعة تلبِّي احتياجات أسواق كبيرة، فكان القطن يُزرَع في منطقة السافانا ويُنسَج ليصبح قماشًا عن طريق أنوال يدوية، غير أنَّ حجم الإنتاج كان منخفضًا، وبدلًا من شراء المنتجات المصنَّعة، كان معظم الناس يصنعون أدواتهم البسيطة وملابسهم المصنوعة من لِحاء الأشجار بأنفسهم؛ ونتيجةً لذلك، كانت مجموعة البضائع الاستهلاكية المتوافرة محدودة، وكان الناس يزرعون ما يكفي حاجتهم من الطعام فحسب؛ حيث لم يكن هناك شيء يحتاجون إلى شرائه بفائض الدخل فاستغرقت الزراعة جزءًا من السنة فحسب، فيما كانوا يقضون باقي السنة في فراغ.

تجارة العبيد:

كانت منطقة غرب أفريقيا تصدِّر الذهب إلى منطقة حوض البحر المتوسط والعالم العربي، ولكن في القرن السادس عشر برزت سلعة تصديرية أكثر أهمية؛ ألا وهي العبيد، حيث خلق اقتصاد السكر في الأمريكتين طلبًا ضخمًا على العمالة التي كان من الممكن تلبيتها بأقل تكلفة ممكنة من خلال شراء العمال، وازداد الطلب الخارجي على العبيد من خلال الحروب والغارات، وكان الأسرى يُقتادون إلى الساحل حيث كانوا يباعون إلى السفن الأوروبية، واستغل الملوك الأفارقة عائدات عمليات بيع العبيد في شراء الأسلحة التي ساعدت في زيادة سلطتهم، وساعدتهم على الإغارة على المناطق المجاورة لأسرِ العبيد، بين عامَيْ 1500م و1750م ، نُقِل ما بين 10 إلى 12 مليون عبداً إلى العالم الجديد، كما اقتيد الملايين عبر الصحراء الكبرى أو عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي لبيعهم في آسيا.

التجارة المشروعة:

في القرن الثامن عشر، اتخذت الآراء المتنورة والآراء الدينية موقفًا مناهضًا للعبودية، وألُغيت تجارة العبيد في الإمبراطورية البريطانية في عام 1807م، فحلت الصادرات الجديدة محل العبيد، وانتقل الأفارقة إلى إنتاج زيت النخيل و الكاكاو، حيث تم نقل هذه السلع إلى الساحل عبر الشبكات التجارية التي كان ينتقل العبيد عبرها، وكانت نيجيريا أكبر المصدِّرين، بَيْدَ أن الإنتاج انتشر في منطقة غرب أفريقيا، واتسعت الفرص التجارية أكثر في منتصف القرن التاسع عشر.

الاستعمار:

أثبت الاستعمار مدى الدَّمار الذي يُلحِقه بعمليَّة النمو الاقتصادي في أفريقيا أكثر من أي مكان آخَر في العالم حيث أدى إلى ظهور مؤسسات في غاية السوء، كانت المستعمرات الأفريقية الأولى تُدار من خلال « الحكم المباشر»، حيث كانت الحكومات الاستعمارية تطبِّق قانون الدولة الأم في جميع الأراضي التابعة على كلٍّ مِن المستوطنين والسكان الأصليين على حد سواء، وإنْ لم يتمتع السكان الأصليون بكامل حقوقهم في غالب الأحيان.

بنهاية القرن التاسع عشر، حلَّ «الحكم الغير مباشر» محل الحكم المباشر وكان الغرض من ذلك هو جعل الاحتلال الأجنبي أكثر قبولًا للسكان الأصليين من خلال الاعتراف بالاختلافات العرقية جميعها، ومن خلال منح السلطة والثروة إلى القادة المتعاونين في مقابل دعم الأجانب، ولم تُحاول الحكومات الاستعماريَّة نشر التعليم بين الأفارقة، بل تُرِكت هذه المهمة إلى الإرساليات المسيحية، والمدارس الإسلامية، فضلًا عن المبادرات المستقلة الأخرى، بالإضافة إلى ذلك، اتبعت الدول الاستعمارية سياسة نزع ملكية الأراضي من السكان الأصليين بهدف ضمان توفير العمالة. علَّق المُوقَّر « جيه إي كازاليس» في ستينيات القرن التاسع عشر قائلًا :” إنَّ الهدف من الاستيلاء على الأراضي تَمثَّل في إجبار السكان الأصليين على الحياة في مساحة محدودة للغاية من الأراضي، حتى صار من المستحيل الاعتماد على المنتجات الزراعية والماشية في هذه الأراضي كمصدر للغذاء، ولإجبار السكان الأصليين على عرض خدماتهم على المزارعين كخَدم في المنازل وكعمال.”

أسباب الفقر المعاصر:

في وقت مبكر من القرن التاسع عشر، اتخذ غرب أفريقيا مسارًا كان يشبه في الكثير من ملامحه المسار الذي سلكته المستعمرات في أمريكا الشمالية؛ إذ كان الاقتصاد يرتكز على التصدير، وقام الأفارقة بإزالة الغابات المَطيرة كردِّ فعلٍ لارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وكانت معظم الدخول يعاد استثمارها في الأعمال المختلفة، ولكن لم تفلح كل هذه المشروعات والتقدم في إطلاق شرارة النمو الاقتصادي الحديث، ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

– اتخذت الأسعار الحقيقية لزيت النخيل والكاكاو منحى منخفضًا منذ بداية القرن العشرين، حيث انخفضت أسعار كلتا السلعتين خلال الحرب العالمية الأولى، وبلغت أدنى مستوياتها في ثلاثينيات القرن العشرين وإبَّان الحرب العالمية الثانية.

انخفاض أجور العمال: اليوم يحقق منتجو الكاكاو قدرة شرائية قدرها 10 بنسات يوميٍّا، في المقابل يحقِّق منتجو زيت النخيل نصف تلك القيمة، و ينطبق الأمر نفسه على صادرات أفريقيا الزراعية، ونظرًا لأن  60٪ من السكان يعملون في الزراعة، تحدِّد الدخولُ في هذا القطاع الدخولَ في سائر قطاعات الاقتصاد الأخرى.

غياب الصناعة: و يرجع ذلك إلى الاستعمار الطويل الذي استنزف ثروات القارة و عمل على غياب التعليم فيها، بالإضافة إلى ذلك غياب الشركات الداعمة .

-الفساد والطبيعة الاستبدادية في العديد من الدول الأفريقية، وكانت أوجه القصور هذه إرثًا خلفته أنظمة الحكم الاستعمارية؛ فقد ورثت الدول الأفريقية حديثة العهد بالاستقلال دساتير اشتملت على التمييز بين المواطنين على أساس عِرْقي.

في الأخير يمكن القول أنَّ الدول الاستبدادية اتبعت مسارًا مختلفًا ظاهريٍّا، وإن كانت النتائج مشابهة؛ فقد قَضَتْ هذه الدول على القبلية والعنصرية تحت شعار« حتى تحيا الأمة، يجب أن تموت القبيلة»، لكن كانت ممارسات الاستعمار أصعب في تغييرها، فصار قادة القبائل كوادر الحزب الحاكم، ومضوا في طريقهم كما كانوا يفعلون من قبل، وباسم التنمية، تبنَّتِ الدول التي مرت بعمليات إصلاحٍ وسائلَ سيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع التي كانت سمة الإدارات الاستعمارية، كما عاد العمل القسري للظهور مجدَّدًا في هذه الدول؛ ومن ثَمَّ ليس بمقدور أفريقيا الهروب بسهولة من تاريخها.

المصدر: كتاب التاريخ الاقتصادي العالمي للبروفيسور روبرت سي الن ROBERT-C-ALLEN

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي

 

Comments

comments

تحقق ايضا

سلسلة المعلومات:المعلومات الاقتصادية (6):

في فيلم «وول ستريت»، ورد على لسان الشخصية الرئيسيَّة جوردون جيكو (مايكل دوجلاس) أنَّ «أكثر …